حسن القباني يكتب: سؤال الدفء في الأيام الباردة!

مع قدوم فصل الشتاء، أي شتاء، ومع تغير المناخ، أي مناخ ، بات سؤال الدفء واقعا حقيقيا ملموسا على مستويات عدة، سواء على مستوى الطقس في مواجهة الصقيع والبرد أو على مستوى العلاقات الانسانية في مواجهة الجفاء والبرود أو على مستوى العلاقات السياسية في مواجهة الحروب الباردة أو على مستوى الأوضاع الاقتصادية بحثا عن الدفء للجيوب العارية المرتعشة!.

نحن في حاجة ملحة لنبصر المحتاجين للدفء بالمعنى الطقسي مع قدوم فصل الشتاء برياحه العاتية وبرقه المرعب ورعده المخيف وسيوله الجارفة وأمطاره القارصة ، سواء الفقراء في الأحياء المسكينة في أوطاننا العربية ، أو النازحين في مخيمات اللاجئين المتناثرة هنا وهناك على امتداد الخارطة ، أو أمثالهم ممن ينتظرون دثارا مناسبا أو طعاما ساخنا ، يقيهم شر البرد في زمن كوفيد-19 ، ويشعرهم بأخوة الدين والوطن في زمن طغت فيه الصراعات.

وأحسن بعض النشطاء ومنظمات المجتمع المدني بمصر، عندما دشنوا حملات لتوزيع البطاطين على الفقراء وأصحاب الحاجة ، وبعضهم ذهب إلى توزيع العدس الساخن على المشردين ، بالتزامن مع فعاليات مماثلة تدور في نفس الفلك ، وأول الغيث قطرة ، وأول الدفء غطاء!.

ونحن كذلك في أمس الاحتياج إلى نشر الوعي بأهمية دفء العلاقات الإنسانية والاجتماعية ومحاربة الصقيع الاجتماعي والبرود الإنساني من أجل تجاوز مأس كثيرة تحاصر مجتمعاتنا العربية ، تبدأ بالجفاء وبرود العلاقات في الأسرة وبين العائلات وفي مقرات العمل بين الزملاء، وتتطور إلى شحناء وبغضاء، وقد تنتهي لا قدر الله إلى شقاق دائم أو اراقة دماء.

ولنا سبل عديدة في سبيل نشر هذا الوعي النبيل ، خاصة في ظل انتشار التعليم عن بعد ، وعلو مكانة المستشاريين الاجتماعيين والنفسيين والأسريين ، سواء عبر المنصات الرقمية أو الشبكات الاعلامية والمواقع الصحفية.

وكما أسعدنا النبأ السار الذي أذاعته منصات الأزهر الشريف بمصر حول توصل وحدة “لم الشمل” في المركز العالمي للافتاء التابع للأزهر إلى حل أكثر من 60 ألف نزاع أسري واجتماعي من اجمالي 70 ألف أزمة خلال الشهور الخمس الأخيرة، وهو ما يصب مع كافة الاجراءات المماثلة إلى اعادة الدفء إلى علاقاتنا الاجتماعية والأسرية ومقاومة البرود المتحكم.

وعلى الصعيد السياسي، بات مصطلح الحرب الباردة رائجا في أيامنا هذه ، مجددا بواعث ظهوره القديمة بعد سنوات قليلة من فوز التحالف الناجح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا بالحرب العالمية الثانية وذلك في الفترة( من 1947 – 1953 الي 1989 -1991 )، وصيغ بحسب موقع ويكبيديا ، لوصف العلاقات الباردة بشكل متزايد بين حليفي الحرب العالمية الثانية : الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي ومعسكراتهما الداعمة.
والحديث دائر بشدة الآن حول الحرب الباردة الأكبر الآتية أو الحادثة بوادرها بين الولايات المتحدة والصين، وهناك حروب باردة مماثلة في أكثر مكان في العالم، تحتاج إلى اذابة جبال الجليد والحفاظ على الانسانية والقيم العليا للبشرية، وإعادة دفء العلاقات السياسية للواجهة، ويكفينا ما رسبته الحروب الدموية الأخرى ، وهو أمر يحتاج إلى وقت تتغير معادلاته كثيرا، ولكنه هدف مطلوب التذكير به أمميا بين الحين والآخر، حتى ولو كان العالم في وادي آخر.
وفي السياق الاقتصادي، تحتاج الجيوب إلى الدفء المالي، والتدفئة المالية المتجددة ، وهو ما يتطالب دق جرس الانذار، مع استمرار توابع أزمة كورونا على العالم كله اقتصاديا، في ظل تحذيرات من ازمات تهدد الاقتصاد العالمي، ومنها تحذير وكالة “بلومبرج” الامريكية في تقرير نشره موقع الشرق الاقتصادي في أكتوبر الماضي من أن أزمات كورونا والطاقة ترسم صورة قاتمة للاقتصاد العالمي بنهاية2021.

كما حذرت نفس الوكالة الشهيرة من أزمة سلاسل التوريد ونقص الرقائق يؤدي إلى احتمال ارتفاع أسعار كل شيء تقريبا بحسب تقرير موقع روسيا اليوم في نوفمبر الماضي، وهذا يعني حاجتنا إلى تدفئة المعوزين اقتصاديا عبر وسائل التكافل والدعم وفق السبل القانونية المنتشرة في المجتمعات.

إن حاجتنا للدفء الجسدي والنفسي والاقتصادي والسياسي حاجة مهمة في تلك الأيام الباردة وفي سبيل هذا فليعمل العاملون!.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى