أسرار تكشف لأول مرة بشهادات مؤرخين.. الأنبا صموئيل شهيد «المنصة» الحي بمواقفه

كتبت: جورجيت شرقاوي

 

تحل علينا ذكرى أكتوبر المجيد، ويعد نيافة الحبر الجليل الأنبا صموئيل أسقف الخدمات، وشهيد الكنيسة في حادثة المنصّة أبرز الأسماء التي لم تنصفه الاحتفالات كل عام، ولم يرد إليه اعتبارة بالقدر المنوط به.

تحدث عنه قداسه البابا شنوده الراحل حينما أرسل إلى الانبا أثناسيوس مطران بني سويف قائلا “حقا من يستطيع أن يملأن الفراغ الذى تركه الأنبا صموئيل بل من يملأن الفراغات العديدة التى تركها ليس فقط من جهة العمل بل أيضا من جهة القلب والعاطفة”، كان ذلك بعد استشهاد الانبا صموئيل ب 9 أيام من المقر الباباوى بدير الانبا بيشوى في أثناء فترة الإقامة الجبرية.

حاولنا خلال هذا التحقيق، استرجاع تاريخه ومواقفه وخدماته التي قدمها للوطن، بمناسبة الاحتفال بمرور 60 عامًا على تأسيس أسقفيّة الخدمات، ومرور 41 عامًا على استشهاده. 

البابا تواضروس وتكريم الكنيسة:

 

قال عنه البابا تواضروس الثاني خلال عظة أشاد خلالها بالدور الرائد للأنبا صموئيل في الخدمة، وتضمن الاحتفال عرض فيلم وثائقي عن حياته، وأهم الإنجازات التي قام بها «الراهب الأمين المخلص»
وأشاد الأنبا يوليوس، أسقف الخدمات حاليا، بجهود الأنبا صموئيل، وتضمن الاحتفال تكريم البابا تواضروس اسم الأنبا صموئيل.

سكب حياته بالدم:

وقال القمص أثناسيوس ﭼورﭺ مدير مدرسة تيرانس والكاهن بكنيسة مارمينا بمنطقة فلمنج الإسكندرية،  إنه أقامه البابا كيرلس السادس أسقفََا للخدمات في ٣٠ سبتمبر ١٩٦٢، واستشهد في السادس من أكتوبر لسنة ۱٩٨۱، أنه المتنيح طيب الذكر الأنبا صموئيل أسقف الخدمات العامة بالكنيسة القبطية٬ انسكب دمه في حادث المنصة الشهير٬ بعد أن سكب حياته كل نهار ووجودها بالدم لا بالكلام.

واضاف، كان هو أول من تكرس لخدمة مدارس الأحد وأسس فروعها مهتماً بالتعليم الديني حاملاً مشعل الأرشيدياكون حبيب جرجس في إنشاء المدارس الأولية بالقرى المحرومة، وهو الذي أسس خدمة الدياكونية الريفية، واهتم بالمناطق العشوائية والمحرومة فكان يجول يصنع خيراً في القرى والنجوع حاسباً أن الضرورة موضوعة عليه، وقد عاد بالفرح حاملاً الأغمار عندما صير هذه الخدمة التي اهتم بها في شبابه المبكر٬ خدمة أصيلة وأساسية في خريطة العمل الكنسي الرسمي لما أقامه الله أسقفاً في كنيسته المقدسة.

خدمات متعددة:

واضاف، سبق زمانه، ولم يدخر جهداً في تأسيس مشروعات العضوية الكنسية٬ والدياكونية الريفية٬ وسجل الخدمات الكنسية٬ والتدريب والتنمية الشاملة٬ ومشروع ارفعوا الكسر٬ تلك الخدمات التي أسسها وأثرى بها العمل الكنسي المعاصر، مهتماً بالكادحين والمهمشين والمعاقين والزبّالين، كذلك هو أول من أسس خدمة المذابح المتنقلة٬ رافعاً شعار (اعبر إلى مكدونية وأعنا) أعي ٩: ۱٦.

بينما أكد كريم كمال الكاتب والباحث في الشأن السياسي والمسيحي، أنه كان له دور كبير ايضا في تأسيس العمل الخدمي داخل الكنيسة حيث كانت اسقفية الخدمات والتعليم أسقفها نيافة الأنبا شنودة أسقف التعليم والمعاهد الدينية، وهي أول أسقفيات عامة تقام في العصر الحديث حيث تم تأسيسهم في يوم واحد عام ١٩٦٢م علي يد الراحل قداسة البابا كيرلس السادس ليبدأ عهد جديد من التعليم والخدمات في الكنيسة القبطية الارثوذكسية.

المدرسة اللاهوتية بالحبشة:

وأشار القمص أثناسيوس، إلى أنه باكورة خريجي القسم النهاري الجامعي في الكلية الإكليريكية، كذلك هو من أول الرواد في الخدمة والعمل الروحي والإجتماعي والتعليمي، حيث حقول التربية الكنسية وخدمة الكبار وقافلة القرية وإعداد الخدام القرويين المحليين وتأسيس الفروع ووضع البرامج والمناهج، وهو أول من قام بالتدريس في المدرسة اللاهوتية بالحبشة، وكانت مراحم الرب تقوده كل يوم بفيض من الخير والنعم مختبراً حلاوة العشرة الإلهية.

وأوضح أثناسيوس، أنه اشتهر بوداعته وعُمقه وطول أناته وتزين بحكمة الشيوخ وهو بعد في مقتبل العمر، تاركاً وظيفته مكرساً حياته واضعاً يده على المحراث ليخدم في فلاحة الله محباً لخدمة الذين ليس لهم أحد يذكرهم.

واجتذب الحديث القس يوحنا نصيف أحد أبرز كهنة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وراعي الكنيسة فى شيكاغو بأمريكا حاليا وراعي الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، موضحََا  أنه بدأ من دراسه الإكليريكيّة بعد تخرّجه من كلّيّة الحقوق، ثمّ خدمته في إثيوبيا، وتلمذته ورهبنته تحت يد القمّص مينا البرموسي المتوحّد بمصر القديمة، وثمّ إشرافه الروحي على طلبة الإكليريكيّة مع تدريسه فيها، وثمّ تمثيله للكنيسة القبطيّة الأُرثوذكسيّة في مجلس الكنائس العالمي وأتم دراسته وحصوله على الماجيستير في واحدة من أعرق جامعات أمريكا، ثمّ سيامته أسقفًا للخدمات العامّة والاجتماعيّة، واهتمامه بالعلاقات المسكونية، ثمّ خدمته للأقباط في المهجر، وتأسيس الكنائس لهم، برؤية مستقبليّة جميلة، كلّها أوضاع عجيبة وجديدة، لم تكُن موجودة من قبل.

الحياه الرهبانية:

وقال القمص أثناسيوس: لأن العمق ينادي عمقاً فقد دعته النعمة للحياة الرهبانية فعاش نذورها وتتلمذ تحت إرشاد القمص مينا المتوحد- البابا كيرلس السادس- الذي سامه راهبا وسكن معه بدير مارمينا بمصر القديمة، واستلم الطقس الرهباني كالأولين على يديه، قائلاً له (ما يرشدك الله إليه فأنا خاضع له) لذا لم يُخدش اسم المسيح بسببه ولم تهن كرامة زي القداسة التي لبسها، ورتب له الله كل الأمور حسب مسرته، وقد أُعطي نعمة علوية وسيرة سماوية، جعلته يتحدث دائما عن تغيير الذهن وترتيبه، وعن المعرفة الأصلية وحياة السكون، وعن التوسل والسجود، وعن صلابة الإرادة، محلقا في قمم الآلهيات.

وقال القس نصيف: على الرغم أنّني لم أر نيافة الأنبا صموئيل بالجسد، لكنّ تأثيره على حياتي كان كبيرًا، ذلك عندما قرأت كتاب القيّم الذي أصدرته عنه الأستاذة إيريس حبيب المصري، بعد استشهاده بحوالي خمس سنوات، بعنوان “قصّة الأنبا صموئيل”، وهو يقع في 132 صفحة من القطع الكبير، ويشمل العديد من الوثائق، وكان الانطباع الذي خرجتُ به من سيرته، أنّ هناك أشخاصًا أحبّوا المسيح، وسلّموه حياتهم تمامًا، وقَبِلوا أن يسيروا معه في الطريق التي يختارها لهم، حتّى وإن كانت طريقًا لم يسلكها أحد من قبل.

لغز “الحقير مكاري” وفضيلة الاتضاع:

وأضاف القمص أثناسيوس، انه تسمى بالراهب مكاري٬ وكان يذيل كل خطاباته بإمضاء “الحقير مكاري” لكن الله رفعه وأقامه على عشر مدن بعد أن ألقى رجاءه على الله الحي وكانت مار إسحق السرياني والسُلَّم إلى الله والشيخ الروحاني شهية جداً في مسامعه٬ عاشها وتدرب على ما جاء بها من برّ وفضيلة٬ كذلك سكن في مسكن إلهنا إلى جوار قبة الهيكل بمصر القديمة إلى جوار معلمة مينا البراموسي المتوحد٬ إذ إن المثيل يستريح إلى مثيله٬ منضماً إلى طغمة كاتمي سر الملك المحبوبين لديه٬ أكثر من الجنود الذين يحاربون في الميدان، مختبراً حياة التجرد والفقر الإختياري الذي عاشه إلى النفس الأخير بالعمل والقدوة٬ فتكلم بأعماله وعمل بأقواله، ولعل كل من تعامل معه رأي بشاشة وبساطة المسيح، ولمس انفتاح أحشاء الرحمة، وحياة القوات العقلية التي حملته الي آفاق تقدمية ورحبه سابق بها عصره.

وتابع: اختارته العناية الإلهية ليكون أول أسقف للخدمات العامة بالكنيسة القبطية بعد أن أعده الله لهذه المهام الكنسية عبر حياة التلمذة والتقوى٬ وأيضاً عبر دراسته للقانون والتربية واللاهوت.

مادة اللاهوت الرعوي ومعهد الدراسات القبطية:

وقال القمص أثناسيوس: استحدث مادة اللاهوت الرعوي التي كتب مادتها باختباره العميق وفكره الناضج٬ والتي سبر عمق أغوارها ومؤهلاتها بخبرته الرعوية العملية، وهو الذي أنشأ معهد ديديموس٬ وكان أيضاً أداة رفع تأسيس معهد الدراسات القبطية، ويرجع إليه الفضل في نقل الإكليريكية من مبناها القديم في مهمشة إلى مبني الأنبا رويس الحالي، إضافة إلى دوره الكبير في بناء وتأسيس الكاتدرائية الكبرى بالعباسية.

أب الأقباط المهاجرين:

وتابع القمص أثناسيوس: الانبا صموئيل لم يتوقف جهد عند الداخل فقط بل صار أباً للمغتربين من الأقباط المهاجرين، وهو الرائد الأول في خدمة كنيسة المهجر القبطية التي عمل لها أول قاعدة بيانات وإتصالات وحقق حضوراً مشرفاً وفاعلاً في كل المحافل المسكونية٬ كدينامو للكنيسة كلها.

وقال: أذكر تفاؤلك وبساطتك وهدوءك ومبادرتك ومساندتك لي ولكل من طرق بابك٬ فأنت الذي رفعت شعار (ماذا تريد يا رب أن أفعل) وقد وضعت على مكتبك أساس خدمتك (لي الحياة هي المسيح) ٬ إن يوم إنطلاقك للمجد لم يبارح خاطري حيث كنتَ ترقد في مستشفي القبة العسكري عند مفارقة نفسك لجسدك، كذلك لن أنسى كلمات المتنيح الأنبا يؤنس في تجنيزك٬ وما نعاك به المتنيح الأنبا أثناسيوس قبل دفنك، وثلاثتكم من الآباء الرؤوس فليكن ذكراكم مؤبداً لأنكم أحياء عند إله الأحياء.

شهيد الوطن:

وقال كمال: نيافة الأنبا صموئيل هو شهيد الوطن، وليس شهيد الكنيسة لانه اغتيل في احتفال وطني، وليس دفاعا عن العقيدة، أو الإيمان حسب مفهوم الشهادة في العقيدة المسيحية ومفهوم الشهادة مفهوم لا يختلف عليه أحد في أي دين.

دوره بمجلس الكنائس وعلاقته بالأب متى المسكين


وتابع كمال: كان له دور كبير في مجلس الكنائس العالمي وتاسيسة ومشاركة الكنيسة القبطية فية وقد هاجم الأب متي المسكين في كتاب الكنيسة والدولة مشاركة نيافة الأنبا صموئيل والكنيسة القبطية في مجلس الكنائس العالم، ي وهو ما أثار غضب الراحل قداسة البابا كيرلس السادس واعتبر ذلك تحريضََا من الأب متي المسكين علي الكنيسة القبطية ومحاولة لإثارة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والدولة ضد الكنيسة في ظل العلاقات القوية التي كانت تربط قداستة بالرئيس الراحل.

وأضاف كمال، أن التاريخ كتب، ولا يستطيع أحد تزوير، أو تغير التاريخ وسوف تظل أحداث سبتمبر شاهدة  على وقوف الله ومساندتة لقداسة البابا شنودة، وللكنيسة القبطية في عصرنا الحديث.

تسجيل سيرته العطرة:


وقال القس نصيف:  من تدابير الله العجيبة في حياتي، أن يرتّب لي الحضور للخدمة في منطقة شيكاجو، منذ عام 2009م وهنا التقيت بشخصيّة روحانيّة جميلة، بمثابة الأب الروحي لنا في كلّ شيكاجو هو الأستاذ الدكتور عاطف حنّا معوّض الرئيس الأسبق لقسم أمراض النساء والتوليد بجامعة شيكاجو، والشمّاس والخادم المبارك بكنيسة مارمرقس بشيكاجو، وهو موجود في أمريكا منذ عام 1959، وفي شيكاجو منذ عام 1972م

واستكمل: أقتربتُ منه، واشتركت معه في تأسيس كنيسة القدّيس بولس الكرازيّة بشيكاجو عام 2011، وذهبت معه أكثر من مرّة في رحلات كرازيّة إلى كينيا، وعندما علمتُ أنّه يعرف عن قرب الشهيد الأنبا صموئيل، طلبتُ منه أن نسجّل هذه الذكريات، وبالفعل منذ حوالي سبع سنوات ذهبت إلى منزله، وسجّلت معه حديثًا تفصيليّا طويلاً استغرق حوالي ساعتي ونصف الساعة، عن نيافة أنبا صموئيل.

وأردف: هذا الحديث هو مذكّرات شخصيّة للدكتور عاطف، تكشف عن جزء هام وجميل من تاريخ الكنيسة المعاصر، وكيف كانت تنمو وسط كلّ الصعاب؟ وكيف كانت البدايات بسيطة؟ وكيف بارك الله في تلك المجهودات، حتّى صِرنا الآن على ما نحن فيه من نعمة كبيرة كما يكشِف الحديث عن طبيعة شخصيّة الأنبا صموئيل، البسيط الخدوم المتواضع المتسامح، المحبّ للسلام، وصاحب القدرات الفذّة في الرؤية المستقبليّة والتخطيط لنمو الكنيسة، من أجل وضعها في المكانة اللائقة بها على مستوى العالم.

شهادات حية وكواليس خاصة:

ومن جانبه وصف المؤرخ الكنسي أيمن عريان سيرته العطرة قائلََا: كان السادات قد أصدر قراراته بالقبض على أكثر من ١٥٠٠ شخص من المؤثرين في المجتمع المصري، بين ساسة ورجال أحزاب، صحفيين، رؤوس لجماعات إسلامية، رجال دين وعلى رأسهم تم التحفظ على البابا شنودة الثالث في دير أنبا ببشوي وإلغاء قرار رئيس الجمهورية بتعيينه بطريركا للكنيسة القبطية. كما قبض على ثماني أساقفة و ٢٤ كاهنا من مختلف ربوع مصر، ومن المفارقات العجيبة أن الآباء المتحفظ عليهم، كانوا يومها منتظرين نيافة الأنبا صموئيل بزيارة خاصة ورسمية داخل محبسهم
وأوضح، لقد قمت بتسجيلات عديدة مصورة، لبعض الآباء والإخوة الذين تم التحفظ عليهم، وكان من بينهم المتنيح القمص أثناسيوس بطرس، وقد نقل لي ضمن حديثه_وكان شاهد عيان على تلك الواقعة…
يقول: “لما طال إنتظارنا في هذا اليوم لزيارة أنبا صموئيل، بدأت أصوات بعض الأساقفة في الارتفاع وأطلاق التهم والتكهنات غير المنطقية، وكانوا صغار العمر، فهكذا يقول، اليوم يومه قاعد وسط كبار القوم هيفتكرنا إزاي!! وآخر يرد عليه:” إحنا مش فارقين معاه أصلا، بيشارك إحتفالات النصر مع اللي حبسنا وتحفظ على بابا الكنيسة “، وحينئذ صاح المتنيح القمص يوسف أسعد بصوت جهوري، رغم وداعته المعروف بها_رافضا هذه التعليقات الصبيانية، قال: لا يمكن أن يهمل أنبا صموئيل زيارتنا أو يتوانى عن خدمة وإفتقاد إخوته وأولاده، أنا أعرف الرجل منذ أن كان شابا خادما في الجيزة بإسم سعد عزيز، يا آباء أن تأخر الأنبا صموئيل لسببين لا ثالث لهما، إما أن يكون طريح الفراش درجة حرارته ٤٠ أو يكون قد مات!”.

وتابع: كان من بين المقبوض عليهم حينها سمير تادرس الصحفي المعروف بتوجهاته ضد سياسة السادات، وكان يستمع لصوت الراديو الناقل لاحتفالات نصر أكتوبر، وفجأة قُطعت الاحتفالات ووضعوا مكانها قرآن، فقال سمير: طالما شغلوا قرآن، وقطعوا الإحتفال يبقى قتلوا السادات! فسمعه مأمور السجن وقال له: هذا كلام خطير يا سمير.. بعدها بوقت قليل، فتحوا الزنازين وجمعونا، ونقلوا لنا خبر استشهاد السادات،  واستشهاد الأنبا صموئيل فحزن الآباء حين يمتعهم هذه الأخبار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى