يبرز ملف الاستثمار كأحد أهم أدوات الدولة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو مستدامة، في ظل ما يواجهه الاقتصاد المصري من تحديات إقليمية وعالمية متسارعة.
ومن هذا المنطلق، يأتي إعلان الحكومة إطلاق حزمة استثمارية متكاملة تشمل قطاعات حيوية متعددة، كخطوة تحمل دلالات إيجابية تعكس إدراكًا واضحًا لأهمية تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص في قيادة النمو الاقتصادي.
ولا يمكن قراءة إطلاق حزمة استثمارية شاملة، بعد اعتمادها من القيادة السياسية، بمعزل عن السياق العام للاقتصاد، إذ تمثل هذه الخطوة رسالة طمأنة قوية للمستثمرين المحليين والأجانب، مفادها أن الدولة مستمرة في تبني سياسات داعمة للإنتاج والتوسع والاستثمار، وليست مجرد إجراءات وقتية.
وتستهدف الحزمة قطاعات رئيسية مثل الصناعة، والزراعة، والسياحة، والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والطاقة، والبترول، والثروة المعدنية، وهي قطاعات قادرة بطبيعتها على خلق قيمة مضافة مرتفعة، وتعزيز القدرات التنافسية للاقتصاد المصري.
ويتمثل أحد أبرز ملامح هذه الحزمة في توسيع نطاق الحوافز والمزايا الاستثمارية، سواء من خلال التيسيرات الضريبية أو الإجراءات التنظيمية المبسطة، فقد سبقتها خطوات مهمة اتخذتها وزارة المالية بإطلاق حزم متتالية من التيسيرات الضريبية، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو تخفيف الأعباء عن المستثمرين والمنتجين، وتحفيزهم على توسيع الإنتاج وزيادة الطاقات التشغيلية.
ويُعد توقيت طرح الحزمة الاستثمارية عاملًا حاسمًا في نجاحها، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكاليف التمويل، واضطراب سلاسل الإمداد الدولية.
ففي مثل هذه الظروف، يصبح تقليل البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات، وتوفير رؤية مستقرة وواضحة للمستثمر، أمرًا ضروريًا لدفع قرارات الاستثمار طويلة الأجل.
ومن هنا، فإن توجه الدولة نحو تقليص زمن الإفراج الجمركي إلى 48 ساعة فقط، من شأنه خفض تكاليف التشغيل، وتسريع دورة رأس المال، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد. ولا تسهم هذه السياسات فقط في تحسين بيئة الأعمال، بل تعزز كذلك قدرة القطاع الخاص على لعب دوره كشريك رئيسي في التنمية الاقتصادية.
كما أن تعزيز برامج المساندة التصديرية، وعلى رأسها برنامج رد أعباء الصادرات، يعكس وعيًا بأهمية التصدير كقاطرة للنمو الاقتصادي، ومصدر رئيسي للعملة الأجنبية؛ فزيادة الصادرات لا تعني فقط تحسين الميزان التجاري، بل تسهم أيضًا في تعميق التصنيع المحلي، ورفع جودة المنتجات، وربط الاقتصاد المصري بالأسواق العالمية بشكل أكثر فاعلية.
ولا يقل أهمية عن ذلك طرح برامج تمويلية بفائدة مخفضة تستهدف دعم القطاعات الإنتاجية، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة معدلات التشغيل، وخلق فرص عمل جديدة، وتحقيق نمو اقتصادي حقيقي يشعر المواطن بآثاره في تحسين مستوى المعيشة، فالاستثمار المنتج هو الطريق الأقصر لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وليس مجرد نمو رقمي في المؤشرات.
وفي المجمل، تعكس الحزمة الاستثمارية المتكاملة رؤية تتسق مع أهداف «رؤية مصر 2030»، التي تسعى إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي للتصنيع والتصدير السلعي والخدمي. وإذا نُفذت بكفاءة وشفافية، مع استمرار المتابعة والتقييم، يمكنها إحداث نقلة نوعية في مناخ الاستثمار، وتحسين ترتيب مصر في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، وتعزيز ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني.
إن نجاح هذه الحزمة لا يعتمد فقط على مضمونها، بل على سرعة التنفيذ، واستمرارية الإصلاح، والتكامل بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية، وعندها فقط يمكن القول إن الاستثمار أصبح بالفعل محركًا رئيسيًا للنمو، وأداة فعالة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.






