الصمت الذي كسره البيان: قراءة في بيان الرئيس للانتخابات والخطوط الحمراء.
قبل بيان الرئيس بأيام، طُلب مني أن أكتب مقالاً عن سير العملية الانتخابية.. عزفتُ.. لم يكن العزوف ترفاً، بل كان إعلان موقف.
المشهد وقتها كان مضطرباً، وبعض ما رأيته لم ينسجم مع ما كنت أتوقعه من انضباط واستقامة في استحقاق بهذه الحساسية والخطورة في مرحلة حرجة من عمر منطقة الشرق الأوسط، خاصة في مصر رمانة ميزان المنطقة والدولة التي حافظت على الاستقرار في محيط مشتعل. كان هناك شيءٌ مائلٌ في الصورة، وممارسات لا تليق بحجم دولة كمصر ومسؤولياتها التاريخية في المنطقة، ولا بثقل اللحظة وبمستقبل شعبها. كان هناك ضجيجٌ يعلو فوق صوت المنطق، واندفاعٌ غير محسوب من أطراف أرادت أن تصنع من التفاصيل أزمة، ومن الشكوك رواية، ومن الارتباك شرعية بديلة، وأطراف أخرى أرادت أن توجه المشهد بما يتفق مع مصالح ضيقة غير مبالية بالمرحلة الحرجة وشدة دقتها وحجم المسؤولية داخلياً وخارجياً.
فضّلت الصمت؛ لأن الكتابة في غير وقتها سواء مع أو ضد تزيد الفوضى، ولأن الحقيقة في تلك اللحظة لم تكن كاملة، ولأن ما كان يتحرك في الخلفية لم يكن جاهزاً للكشف بعد.
ثم صدر بيان الرئيس.
بيانٌ قطع تردد اللحظة، وفرض على المشهد مساحةً جديدة من الانضباط، وفتح الباب للكلام.
منذ الجملة الأولى، كان واضحاً أن الرئيس كان يراقب كل ما يحدث في صمت حينما قال «وصلتني الأحداث…».
هي ليست جملة مجاملة ولا صيغة دبلوماسية، بل هي إعلانٌ بأن القيادة كانت تراقب المشهد دون انفعال، لكنها لم تكن بعيدة عنه لحظة واحدة، وأن ما حاول البعض تضخيمه أو توظيفه لم يمرّ دون علم.
هنا فجأةً، تغيّر وزن الكلمات، وتبدّل اتجاه النقاش.
ظهر الصوت الذي ينتظره الجميع، الصوت الذي يضع النقطة فوق الحرف، ويعيد رسم حدود المشهد من جديد.
أعاد البيان السلطة الانتخابية إلى مركزها الطبيعي: «الهيئة الوطنية للانتخابات… دون غيرها».
بهذه العبارة، انتهت كل محاولات خلق مراكز نفوذ جانبية، وسقطت كل الأصوات التي ادّعت أنها تقرر المشهد أكثر من مؤسساته.
هي رسالة قاطعة: المسؤولية في يد جهة واحدة، والقرار في يد جهة واحدة، والشرعية تُصان عبر مؤسسة مستقلة لا يحق لأحد تجاوزها.
بيان أعاد الإطار القانوني والدستوري إلى صلابته، وأعاد المشهد إلى قنواته الرسمية، وانتهت اللعبة التي حاول البعض فيها القفز على اختصاص الدولة أو خلط الأوراق.
لكن البيان حمل ما هو أبعد من تنظيم الاختصاص، لقد حمل الجملة التي هزّت قواعد اللعبة:
《الاستعداد للإلغاء الكامل أو الجزئي إذا تعذّر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية》
هذه الجملة لم تكن تهديداً، بل إعلاناً بأن الدولة تضع شرعية الصندوق وإرادة الشعب فوق أي نتيجة، وأن البرلمان القادم لن يُبنى على تصورات أو حسابات منفردة، بل على إرادة واضحة للشعب لا شك فيها ولا التباس.. جملة تدرك حجم المسؤولية التاريخية ودقة المشهد وخطورته وتعيد صياغته من جديد وتضع خطوطاً حمراء.
الإلغاء خيارٌ لا يذكره إلا من يثق في مؤسساته، ولا يخشاه إلا من يراهن على الغموض.
هذه الجملة كانت كفيلة بإسكات كل من حاول تحويل التوتر إلى فوضى، وكل من بنى حساباته على استمرار الضباب.
الرسالة وصلت: إنه لن تمرّ أي نتيجة إذا فُقدت الثقة في الطريق إليها.
ثم جاء البيان ليضع يده على الجرح الحقيقي: كشوف الحصر.
هذه الورقة الصغيرة التي كانت محل جدل ينوه إلى ضبابية العملية الانتخابية، رغم أنها حق قانوني ملزم، لكنها كانت في قلب كل شكوى، وكل طعن، وكل صراع، ووصلت الأصوات إلى القيادة السياسية.
حين يؤكد الرئيس لزوم حصول كل مندوب على نسخة منها، فهو يعالج نقطة الخلل الفعلية، لا ضجيجها فحسب.
إصلاح الشفافية يبدأ من الوثيقة التي تمنح المرشح حقه، وتجعل صوت المواطن محفوظاً لا قابلاً للتلاعب أو التفسير.
هذه خطوة لا يقوم بها إلا من يعرف أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات، بل بالإجراءات السليمة التي تحافظ على الحقوق.
ثم امتد البيان إلى الحديث عن مخالفات الدعاية، ليس لتسجيل موقف، بل لضبط المستقبل. فالجولات القادمة تحتاج أرضية نظيفة، وإيقاعاً واضحاً، وقواعد تمنع تكرار ما حدث في بعض الدوائر.
قيادة الدولة هنا لا تُلملم ما حدث، بل تبني مساراً جديداً لا يسمح بانزلاقات أخرى.
وفي النهاية، بدا واضحاً أن البيان لم يكن مجرد رد فعل، بل كان إعادة تأسيس للمشهد كله.
لقد استعاد قواعد اللعبة، وحدد المسؤوليات، وأعاد للناس إحساسهم بأن أصواتهم ليست مادة للعبث، وأن الدولة ليست غائبة، وأن العملية الانتخابية محمية بإرادة سياسية لا تتردد في التدخل الحازم والحاسم حين يلزم الأمر.
كان بياناً يليق بدولة كبيرة تواجه لحظة حساسة، وتعرف متى تتكلم، وكيف تضبط الإيقاع، ولمن تُسلّم الاختصاص، ومتى تعلن الخط الأحمر.
قبل البيان آثرت الصمت، بعد البيان، لم يعد هناك صمتٌ يصلح.
فالدولة قالت كلمتها:
إرادة الناخب تُصان، وهي خط أحمر.
والهيئة تُحترم، واختصاصها مُصان.
والعبث يسقط.
والشرعية لا تُؤخذ إلا من الناس، ولا تُعاد صياغتها إلا بالناس.






