طلقة قلم

رسائل العراف (الحلقة الثانية).. مصر ومبادرة السلام والأمن الرقمي العالمي

لم يعد التساؤل حول دخول العالم عصر الحروب السيبرانية مطروحا للنقاش الجاد فقد حسم الواقع الفعلي هذا الجدل منذ عقد مضى حين تحولت الأكواد البرمجية إلى رؤوس حربية غير مرئية.

السؤال الوجودي الذي يفرض نفسه اليوم على طاولة المجتمع الدولي هو (في ظل هذا الانفلات الرقمي الشامل، من يملك الجرأة والمؤهلات لصياغة “دستور العالم الجديد” قبل أن تأكل الفوضى الجميع؟).

لقد تجاوز الواقع الرقمي الذي أصبح يسيطر على كل شيء حولنا كونه مجرد فضاء تقني للبيانات، ليصبح المسرح الأول والخفي للصراع الدولي.

نحن نعيش لحظة تاريخية تدار فيها البنية التحتية للأمم وتوجه اقتصاداتها بل وتعاد صياغة وعي شعوبها عبر “الإقليم الرقمي”.

ورغم خطورة هذا المشهد، لا يزال هذا الفضاء أرضا بلا صاحب وساحة معركة بلا ضوابط دولية موحدة؛ أي أنه يفتقر إلى ميثاق دولي حاكم، أو منظومة ردع قانونية جماعية، أو حتى تعريف واضح لآلية تحديد المعتدي.

نحن باختصار أمام أخطر فراغ تشريعي واستراتيجي في التاريخ الحديث.

في هذا التوقيت الدقيق، تبرز مصر بحكم الحقائق الموضوعية لا الشعارات السياسية أو انتمائي لها كمرشح استثنائي لقيادة مبادرة عالمية للسلام والأمن الرقمي.

هذه الأهلية لا تنبع فقط من قدراتها التقنية الصاعدة، بل من امتلاكها لـ “الخلطة الاستراتيجية المناسبة” التي تتطلبها هذه المهمة.

فهي عقدة ربط العالم عبر الكابلات البحرية للإنترنت والتي تربط الشرق بالغرب، وهي صاحبة الثقل الجيوسياسي التاريخي والرصيد الدبلوماسي الذي يجيد السير فوق حبال الاستقطابات الحادة دون السقوط، حيث إن مصر بمركزها الحالي كدولة داعية للسلام وداعمة له وثقلها الجيوسياسي تقف خارج دوائر الاستقطاب السيبراني الكبرى.

فهي ليست ترسا في آلة الهيمنة الرقمية الأمريكية، ولا تدور في فلك “السور العظيم” للإنترنت الصيني، ولا تتبنى عقيدة الهجوم السيبراني الروسي ولا نهج الضربات الجراحية الإسرائيلية.

هذا الحياد الإيجابي يمنح القاهرة ما تفتقده القوى العظمى مجتمعة “مصداقية وسيط السلام العالمي الأخلاقي”.

العالم يحتاج إلى صانع قواعد لم يتورط في كسرها ومصر تملك هذه الشرعية الأخلاقية والسياسية.

المشهد العالمي اليوم ينزلق بسرعة نحو “حرب باردة رقمية” مفتوحة بلا خطوط حمراء سيضر حتما مصالح الجميع السياسية والاقتصادية ويهددها بشكل مباشر وغير مباشر.

وفي غياب تعريف موحد لمفهوم العدوان السيبراني وضبابية الحدود بين الدفاع والهجوم، يمكن لأي دولة أن تنهار بصمت تحت وطأة هجمة سيبرانية مجهولة المصدر.

هنا تكمن ضرورة المبادرة المصرية، ليس كمجرد مؤتمر بروتوكولي، بل كمشروع تأسيسي لقواعد اشتباك دولية جديدة.

إن المبادرة التي نطرحها يجب أن تكون طموحة وشاملة، تهدف إلى:

ترسيم حدود السيادة الرقمية للدول بما يضمن أمنها القومي دون عزلها عن العالم، وصياغة احترامها وآليات الدفاع عنها وحمايتها جماعيا أو فرديا باتفاقات وتفاهمات إقليمية ودولية مبنية على التعاون الدولي نحو عالم أكثر سلاما رقميا.

توصيف الهجوم السيبراني قانونيا كفعل عدوان يستوجب الرد الدولي.

توصيف الإرهاب الرقمي الذي يُمارس من منظمات وجماعات دولية لها أهداف غير مشروعة تستخدم الأسلحة الرقمية لتهدد بها السلم والأمن الرقميين وتضر بمصالح الشركات والدول، والتفرقة بينه وبين الجرائم الرقمية الدولية المرتكبة من أشخاص أو مجموعات، ووضع الخط الفاصل القانوني بينها.

تحييد البنية التحتية المدنية عبر إسباغ الحماية الدولية على المستشفيات وشبكات الطاقة والمياه والشركات العامة والخاصة كـ “أعيان مدنية سيادية” مُحرمة الاستهداف.

إنشاء آلية دولية مستقلة لـ “إسناد الهجمات” (Attribution) لإنهاء عصر الإفلات من العقاب القائم على التخفي التقني باتفاقات تعاون وقواعد قانونية دولية تلزم مقدمي الخدمات الرقمية ومزودي الإنترنت والشركات ذات الشأن بالتعاون في هذا الشأن.

حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الصراعات العسكرية وتنظيمه.

الأهم من الدور السياسي هنا هو الدور “التشريعي الفلسفي”.

المبادرة المصرية المقترحة لا يجب أن تسقط نصوص اتفاقيات جنيف القديمة أو قواعد القانون الدولي التقليدية على الكود البرمجي الحديث… بل عليها أن تبتكر نصوصا تشبه طبيعة العصر وتتسق معه وتضع نصوصا تفهم سرعة الخوارزميات ولامركزية الهجوم وغموض الفاعل وتعالج هذه التحديات تشريعيا وتقنيا.

إن وجوب تحرك مصر السريع في هذا المسار ليس ترفا دبلوماسيا أو مجرد مبادرة يمكن تأجيلها، بل هو ضرورة ملحة وقصوى للأمن القومي العالمي والإقليمي والمصري أيضا.

لأن الدولة التي ستشارك في صياغة القواعد ستحمي نفسها من أن تفرض عليها القواعد وتصير مجرد منفذ لها.

هذا التحول سينقل مصر من خانة “المستهلك للتكنولوجيا” إلى خانة “المهندس للإطار الحاكم للتكنولوجيا” وهو تحول يزن ثقله ذهبا في موازين القوى الحديثة حيث يُقاس النفوذ بحوكمة البيانات لا بعدد الجنود فقط.

واقتصاديا ستضع هذه المبادرة مصر على الخريطة كملاذ آمن للاستثمارات الرقمية ومراكز البيانات العالمية، مما يمهد الطريق لتوطين صناعة سيبرانية سيادية.

وسياسيا ستمنحها موقع الضامن في أخطر ساحات القرن الحادي والعشرين.

إن العالم الذي أسس الأمم المتحدة على أنقاض الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار المأساة، يحتاج اليوم بشدة إلى مظلة أمان جديدة تمنع اندلاع “حرب عالمية رقمية” قد لا نرى دخانها، لكننا سندفع جميعاً ثمن دمارها وأصبح ضرورة تأسيس هيئة دولية متخصصة تشارك فيها الأمم المتحدة وتتبعها وتقوم بهذا الدور.

الفرصة سانحة الآن والتوقيت مثالي والقدرات متوفرة في ظل الصراعات التي دارت خلال الأعوام الماضية.

والفرص التاريخية الكبرى لا تطرق الأبواب مرتين. فالتحرك الآن ليس خيارا تكتيكيا بل قرار استراتيجي سيحدد موقع مصر في المستقبل.

إما أن تكون دولة تصاغ القواعد فوق أرضها وبقلمها، أو دولة تكتب القواعد بعيدا عنها ثم تملى عليها وتنفذها، فمشاركتها في صياغة القواعد وتبني المبادرة الدولية سيكون له أثر عظيم مستقبلا خاصة في ظل التحول الرقمي المتسارع مصريا وعالميا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى