طلقة قلم

رسائل العراف (الحلقة الأولى).. تغريد خارج السرب.. سيادة رقمية وحروب بلا جيوش

ما نتحدث عنه هنا ليس فضاءً إلكترونيًا، وليس عالمًا افتراضيًا كما تحاول المفاهيم التكنولوجية السطحية أن توهمنا، نحن أمام عالم واقعي كامل، قائم ماديًا ملموسًا فيزيائيًا، أطلقت عليه في دراساتي منذ سنوات مصطلح الأقاليم الرقمية.

هذا الواقع لا يعيش في عالم افتراضي كما يطلقون عليه، بل هو عالم حقيقي متمثل في أجهزة الحواسيب، والخوادم العملاقة، ومراكز البيانات، وشبكات الألياف الضوئية، والكابلات البحرية، وفي الكم الهائل من المعلومات والبيانات المتدفقة بلا توقف، وفي مليارات المستخدمين الذين باتوا مندمجين كليًا في هذا العالم الجديد أكثر مما يسكنون العالم التقليدي.

إنه عالم متكامل الأركان، له بنيته التحتية، وصراعاته، وحدوده، واقتصاده، ومرافقه العامة والخاصة، وقواه الفاعلة، وتحالفاته، وعداواته، وحروبه، عالم موازٍ للعالم التقليدي، لكنه صار في الواقع العالم الأكثر تأثيرًا عليه. لم يعد مجرد أداة مساعدة للحياة الحديثة، بل أصبح الإطار الذي تُدار من خلاله الدول نفسها.

هذا العالم الجديد له جغرافيا شديدة الخصوصية، لكنها لا تُرسم بالخرائط التقليدية، بل تُحدَّد بمسارات الكابلات العابرة للقارات، ومواقع الخوادم، ونقاط تبادل البيانات، ومحطات التحكم، ونطاقات العناوين الرقمية.

ومن هنا وُلدت الإشكالية الأخطر: كيف تُحدَّد السيادة الرقمية للدولة؟ وأين يبدأ إقليمها الرقمي وأين ينتهي؟ وكيف يمكن لها أن تمارس اختصاصها التشريعي والقضائي والتنفيذي على إقليم لا يُرَى بالعين، لكنه يتحكم في كل مفاصل الاقتصاد والأمن والدفاع والإدارة؟

لم تعد السيادة بمفهومها الرقمي الحديث مرتبطة فقط بحدود برية أو مياه إقليمية أو مجال جوي. نحن اليوم أمام إقليم سيادي رابع اسمه الإقليم الرقمي، الدولة التي لا تفرض سيادتها عليه هي دولة فقدت نصف وجودها الاستراتيجي، حتى وإن امتلكت أقوى الجيوش التقليدية وأحدث الأسلحة.

الواقع الرقمي لم يعد مجرد فضاء لتبادل المعلومات، بل صار دولة داخل الدولة. داخل حدوده تعمل بنوك رقمية، وأسواق مالية، ومنصات تداول، وشركات عملاقة، ومرافق طاقة، ومطارات، وموانئ، وسكك حديد، ومستشفيات، وأنظمة قيادة عسكرية، ومنظومات دفاع جوي، وشبكات تحكم صناعي.. كل هذه المرافق الحيوية باتت تعمل عبر أنظمة رقمية مترابطة، وأي خلل في هذه الشبكات لم يعد عطلًا تقنيًا، بل شللًا سياديًا للدولة.

وهنا يصطدم هذا الواقع الجديد بالقانون الدولي العام. فالقانون الدولي وُلد وتطور في عالم تحكمه الجغرافيا المادية، والاحتلال العسكري، والحدود الصلبة، والجيوش النظامية.

أما القانون الدولي الإنساني، بآخر تحديثاته الجوهرية عام 1977، فقد وُضع في زمن لم تكن فيه الحروب السيبرانية موجودة أصلًا، ولم تكن فيه الحروب تُدار عبر الخوادم والخوارزميات عبر الكود والبرمجيات، لذلك فإن إخضاع الحروب الرقمية لمفاهيم الحرب التقليدية يمثل خطأً بنيويًا في الفهم القانوني قبل أن يكون قصورًا تشريعيًا.

السلاح الرقمي الذي أفرزته الثورة الرقمية ليس سلاحًا نظريًا، بل هو أخطر سلاح عرفته البشرية لأنه السلاح الوحيد القادر على إحداث دمار مادي شامل دون أن يُرَى. سلاح يمكن أن يستخدمه شخص واحد يواجه دولة أو عدة دول وحده، أو مجموعة، أو تنظيم، أو دولة. وكمثال: في عام 2010، أُصيبت منشآت نووية إيرانية مثل مفاعل نطانز بهجوم سيبراني دقيق أدى إلى تدمير أجهزة الطرد المركزي دون أن تُقصف المنشآت بصاروخ واحد، ودون إطلاق رصاصة أو تحريك معدة عسكرية تقليدية.

وفي أوكرانيا، أدت هجمات سيبرانية متكررة إلى إطفاء مدن كاملة وشل شبكات الكهرباء. وفي الولايات المتحدة، أدى اختراق سلاسل إمداد برمجية إلى تسلل صامت داخل وزارات سيادية وشبكات دفاعية. هذه ليست عمليات قرصنة، بل ضربات سيادية مكتملة الأركان. وفى بريطانيا شُلَّت المطارات عدة مرات.

بهذا السلاح، يمكن تفجير مفاعل نووي عبر التلاعب بإشارات التحكم، وتعطيل شبكات الكهرباء والمياه والوقود، وشل المطارات والموانئ، وإسقاط أنظمة الملاحة، وتعطيل الدفاعات الجوية، وضرب البنوك والبورصات، وزعزعة العملات، وشل الاقتصاد القومي بالكامل خلال دقائق. والأخطر من ذلك كله أن هذه الضربات يمكن أن تُجبر دولًا كبرى على الجلوس إلى مائدة المفاوضات مهزومة، يُملى عليها ما يُملى، دون أن تطأ أرضها قدم جندي نظامي واحد، ودون أن تُطلق رصاصة واحدة أو تخوض غمار الحرب والمواجهة العسكرية ضدها.

نحن أمام نموذج احتلال جديد: الاحتلال الرقمي. احتلال بلا دبابات، بلا أعلام، بلا جنود، لكنه أخطر من أي احتلال عسكري عرفه التاريخ.

احتلال يُدار فيه القرار السياسي من الخارج، وتُهندس فيه الأسواق عن بُعد، وتُوجَّه فيه المجتمعات نفسيًا وإعلاميًا، وتُراقَب فيه الجيوش وأسلحتها من داخل شبكاتها.

ثم نصل إلى المعضلة القانونية الأعمق: من هو المعتدي؟ في الحروب التقليدية، الفاعل واضح. أما في الحروب السيبرانية، فإن إسناد الهجوم إلى دولة بعينها يكاد يكون مستحيلًا في كثير من الحالات.

الهجوم يمكن أن يمر عبر عشرات الدول، ويمكن أن ينفذه فرد ضد دولة بالكامل، أو تنفذه جماعة لصالح دولة أو لصالح أطراف فاعلة، ويمكن لدولة أن تنكره بالكامل، ويصعب إثباته دون اعتراف إرادي في عالم متشابك تتطور برمجيات التخفي فيه يومًا بعد يوم. وهنا ينهار أحد أعمدة القانون الدولي، وهو إثبات المسؤولية الدولية.

محاولات حلف الناتو ولجان خبرائه لوضع أطر قانونية للحروب السيبرانية تمثل اعترافًا دوليًا متأخرًا بخطورة هذا العالم الجديد، لكنها في جوهرها تعاني من خلل بنيوي، لأنها تحاول معالجة واقع رقمي متسارع بعقلية قانونية تقليدية بطيئة. هذه المحاولات، وفق الرؤية العلمية، مولود قانوني ضعيف البنية، لن يصمد طويلًا أمام التطور الجنوني والمتسارع للأدوات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأسلحة ذاتية التعلّم.

نحن لا نحتاج إلى ترقيع في القوانين القديمة، بل إلى ميلاد فرع جديد مستقل من فروع القانون الدولي يمكن تسميته بحق: قانون السيادة الرقمية الدولية.

قانون يعترف بالإقليم الرقمي كإقليم سيادي، ويحد حدوده، ويطبق عليه قواعد قوانين الحرب والقانون الدولي الإنساني، يقسمه إلى أعيان مدنية وعسكرية، ويعترف بالهجوم الرقمي كفعل عدوان، ويعيد تعريف مفهوم استخدام القوة، وينظم الرد السيبراني المشروع، وينظم استخدام أدوات الردع السيبراني، ويضع إطارًا جديدًا للمسؤولية الدولية في عصر لا تُعلَن فيه الحروب ولا يُعرَف فيه المعتدي بسهولة.

قانون يُبنى على طبيعة هذا العالم الجديد لا على منطق القرون السابقة، مع الاسترشاد فقط بالمبادئ العامة للقوانين المعترف بها في الأمم المتمدنة.

من هنا جاءت هذه الرؤية التي أطرحها الآن وسبق وطرحتها في أكثر من منتدى حول موقف القانون الدولي العام من الهجمات السيبرانية، باعتباره محاولة لوضع أول بذرة قانونية لفهم وتنظيم هذا الإقليم الجديد. ليست المسألة مسألة تكنولوجيا فقط، بل مسألة سيادة، ووجود، وبقاء.

نحن لا نعيش ثورة رقمية فحسب، بل نعيش تحولًا جذريًا في معنى الدولة ذاتها. الدولة التي لا تُحسن فهم واقعها الرقمي ستُخترق، ثم تُدار، ثم تُفرض عليها الوصاية دون أن تسمع صوت صاروخ أو طائرة واحدة حتى ويُحقق ما لم يحققه جيش كامل.

أما الدولة التي تفهم هذا الواقع وتفرض سيادتها وهيمنتها عليه وتحمي إقليمها الرقمي، ومع مجتمع دولي يسن قوانينه وينظم دفاعه، فهُم وحدهم القادرون على البقاء في عالم أصبحت فيه الحروب تُدار رقميًا من داخل الكود وتحقق مكاسب لا تحققها حروب تُدار من فوق الأرض بالسلاح التقليدي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى