“ضغوط هذا الزمان أضعاف ما اعتادته الأجيال السابقة، قد يعيش الإنسان في هذا الزمان أحداثًا في سنة واحدة ما لم يعشه جده في أربعين عامًا، هذا الزمان محقون حقنًا بالقلق”.. عبارة قرأتها، تصف حالة نفسية واجتماعية يعيشها معظم أبناء هذا العصر.
الحياة لم تعد تسير بإيقاعها البطيء الذي عرفته الأجيال السابقة؛ كان الخبر يصل متأخرًا، والقرار يُتخذ بعد تفكير طويل، والمقارنة محدودة في نطاق العائلة أو الحي، أما اليوم فنحن نعيش حالة اتصال دائم، نعرف كل شيء فور حدوثه، ونقارن أنفسنا بملايين البشر في لحظة واحدة.
التدفق الهائل للمعلومات لا يمنحنا معرفة بقدر ما يمنحنا قلقًا.. عقولنا لم تُخلق لتستوعب هذا الكم من الأحداث والآراء والتهديدات في وقت واحد.. الإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط التوقعات المستمرة، يجب أن ينجح سريعًا، ويطور نفسه بلا توقف، ويواكب كل جديد، ويبدو سعيدًا في الوقت نفسه.
المعادلة المستحيلة تجعل الشعور بالتقصير دائمًا، حتى عند الإنجاز، فبينما كان النجاح سابقًا يقاس بالاستقرار والعمل الشريف، أصبح اليوم يقاس بالسرعة والظهور والمقارنة، ما تصفه بدقة مقولة الحائز على جائزة نوبل، هيربرت سايمون “المعلومات الوفيرة تؤدي إلى فقر في الانتباه”.
تسارع الزمن النفسي لا يقل خطورة عن تسارع الزمن التقني؛ يوم واحد قد يحمل عشرات التنبيهات، ومئات الرسائل، وعشرات الأخبار المقلقة.. نحن لا نعيش الأحداث فقط، بل نعيش صداها وتحليلها وتعليقات الناس عليها، وكأننا نعيش الحدث مرات متعددة في وقت واحد، حتى يبدو العام الواحد أثقل من عقود سابقة.
الاعتراف بالحقيقة لا يجب أن يقودنا للاستسلام لفكرة أن زمننا أسوأ مطلقًا؛ لكل عصر ضغوطه الخاصة. ضغوط الماضي كانت جسدية أو معيشية غالبًا، بينما ضغوط اليوم نفسية ومعرفية، ما يتطلب أن تكون أدوات المواجهة مختلفة، وعي بالحدود، وتقليل التعرض للمؤثرات، وإعادة تعريف النجاح بمعايير إنسانية لا رقمية.
ربما لا نستطيع إبطاء العالم، لكن يمكننا إبطاء إيقاعنا الداخلي.. اختيار ما نتابعه، وتقبل أننا لسنا مطالبين بمواكبة كل شيء، فالمشكلة ليست كثافة الزمن وحدها، بل طريقة استهلاكنا له. إن كان هذا الزمان “محقونًا بالقلق”، فمسؤوليتنا أن نبحث عن مساحات للطمأنينة داخل هذا الصخب؛ لأن الإنسان لا يقاس بكم ما عاش من أحداث، بل بقدر ما عاش من معنى.






